إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الاثنين، 25 أبريل 2011

أن نشرب السراب - فرحات فرحات

أن نشرب السراب                   زياد شاهين – دالية الكرمل

                    عـِـطرُ  الكـَـلام
              (همسات بين العطر والورد)     

من أيِّ وردٍ في الكلام ِ سأبْدأ ُ
                            وبأيِّ عطر ٍ عاصفٍ لا يهدأ ُ
بعضُ الكلام ِ قلائدٌ مسحورة ٌ
                            البعضُ منها  فضة ٌ لا تصدأ ُ
والبعضُ قنديلٌ ويبْهَتُ ضوءُهُ
                       في عتمةِ الطـُّرقاتِ دهرًا مُطـْفأ ُ
ما بي أحدِّقُ في السَّماءِ فلا أرى
                          نـجمًا يـُحلـِّقُ بالكـلامِ ... يُلألِئُ
قرأتْ خيوط ُ الشمس عتمَ قصائدي
                         وتساءلتْ هل من نجومٍ تـُقـْرأ ُ ؟
يا صُـحبتي هـذا المـساءُ مـُكلـَّلٌ
                           مـن غارِهِ جرحُ الفـؤادِ سيبْرأ ُ
من أيِّ حرفٍ في الزُّهورِ سأبدأ ُ
                          عِطـْـرُ الكلامِ زوابِـعٌ لا تـهـْدأ ُ!
             كلمات حيرى            

 أبدا ً هي الكلماتُ حَـيْرى تصْــدأ ُ    تغفـو على زَنـْدِ الزمانِ وتبرأ ُ               
تبـدو كومـضِ  السيفِ في إشـهارهِ      لتعـودَ تلهـو في الفضا تتـلألأ ُ
تتـثـاقلُ الأشعار في طياتـهـا            ثـملى بوزْرِ الحب لا ..لا تـهدأ
تنسـابُ خلف خيوطهـا أحلامُنا      حُبلى بنــار الشوق لا تتلكّـأ
فإذا بُـليتَ بنائباتٍ خاطبــتْ          فيـك الحيـاةُ : أمـــَا تعودُ وتبدأ ُ؟!
ما أتعـسَ الكلماتِ في أوطاننـا     تغفـو على صـدر الضمير وتصدأ ُ                        
رقصتْ على وتـرِ الكلامِ خواطري    عطـرُ الكلامِ جواهـرٌ لا تُطفـأُ

  أسميتُ هذه القصيدة َ " همساتٍ بين العطر والورد ، وهي قصيدتان ، أبياتـُها السبعة ُ ألأولى( عطر الكلام ) أجترحتها بنشوة عالية ترحيبا بأعضاء جمعية تموز الذين كانوا في ضيافتي ، وقد كان بين الحضور أخي وصديقي فرحات الذي جادتْ قريحتـُه لاحقا على ما يبدو بسبعة أبياتٍ جميلة ( كلمات حيرى ) متأثرا بالقصيدة كما قال لي ، فكأن القصيدتين همساتٌ بين العطر والورد قصيدةٌ وروحٌ واحدةٌ وضوءٌ يؤطرُ ويحافظ على صداقتنا التي امتدتْ إلى سنوات كثيرة !
 وقد أ ُثــلج صدري كثيرا أن تكونَ سباعيـةُ  صديقي الشعريةُ فرحات قصيدةَ كلمات حيرى ضِمْنَ قصائـدَ مجموعتِه الجديدة (أن نشرب السراب )، وشعرتُ أن لي حِصةً وجدانية في هذه المجموعة وأن  جزءاً من روحي تتجول بل تسكن بين جنائنَ هذه القصائد.
(أن نشرب السراب) المجموعةُ الشعريةُ الصادرةُ حديثا عن منشورات شمس في مصر، تحمل الكثيرَ من الأفكار والصور الشعرية الجميلة الناضجة والمعبرة، والتي لم تـُقطفْ من حدائقَ شعريةٍ أخرى شأنَ الكثير من عابري السبيل الشعري:
(أتسلق جدرانَ القصيدة
عـلَّ وهجَ الحروف يُضيءُ لي عتمَ الطريق
اسألها أن تجمعَ لي شـَتاتَ أفكاري
أن تحمـِلـَني
إلى حيثُ يكمُنُ طائرُ الرّعُـب
في خطوط البداية والنهاية)
قراءةٌ جادةٌ إيحائيةٌ ورمزيةٌ للمجموعة تحلق بك عاليا وتجعلك تصفقُ وترددُ :
إن حالَ الشعر وخاصة العربي ما زال بخير رغم كل ما يشاع عن موت الشعر أو انحسار عصره أمام الفنون الأخرى ،
باقة من الأفكار والهواجس عن حال الشعر والشعراء تجمعت في خاطري وتساءلتُ
هل أجهش الشعرُ فبكى الشعراء ؟
هل أجهش الشعراءُ فبكى الشعر ؟
 أم أن وراءَ الأكمـة ما وراءَها !
الشعرُ هو ديوانُ العرب كما كان يقولُ القدماء والكاتب رجاء النقاش يقول في كتابه أدباء ومواقف "إن هناك أزمة في نقد الشعر ذلك لان الشعرَ نفسَه لم يعدْ له الانتشارُ الواسعُ الذي كان يتمتعُ به في الماضي ولم يعد الشعرُ مادةً سَهـْلةَ الفهم مرتبطةً بالحوادث الجارية ارتباطا مباشرا ". هذا المقالُ وإن كـُتبَ في سنوات الستين فقد تنبـأ حـَسْبَ رأيي عن الحالة الكئيبة التي هبط إليها الشعرُ . والمواقع الأثيرية والملاحق الأدبية الورقية التجارية وتجوهر المصلحة الشخصية وانحسار المصداقية والحرية الفكرية قد ساعدتْ الكثير في تدحرج الشعر ( نقيضَ ) قول أبي النواس الشهير !
أيتها القصيدةُ العابرةُ مواطنَ ضعفي
كوني لي حبرا نظيفا
اشربُهُ كلَّ صباح
جُرعةَ ودٍ وخصامْ
اغسلُ به ضميرَ الأقلامْ
التي إهترأتْ هـَزُلــَـتْ شـُـلـَّـتْ
خانتْها ذاكرةُ الأيامْ

أتفاءل عندما أقرأ هذه الكلمات ، صورةٌ شعريةٌ وارفةُ الإيحاء ، تـَـنـْظـُـمُ حباتِ ســنبلةِ القصيدةِ التي عبثـتْ بـهــا أيدي الكثير من الذين لا يعرفون كيف يداعبون هذه السنبلةَ ويروونها من ماء ودم روحِهم ، لتنمُوَ وتـَكـْبـُرَ وتُصْبـِحَ القمحَ الروحاني الذي تتغذى به النفوسُ الجائعةُ والتواقةُ إلى سنابل القصيدة الشهية .
أعتقد أن  الشعرَ كنوع من الفنون الإبداعية ، لم يكنْ ولن يكونَ مرآة تعكسُ وتصورُ الواقعَ كما هو، فإما أن نكـسرَ المرآةَ وإما أن نكسرَ الواقعَ حتى نرتقي إلى نص مغاير وإبداع جميل ، عن طريق توظيف اللغة الذهبية التي تملك الوهجَ والقوةَ في عكس الواقع مكسوراَ في مرآة سليمة أو بالعكس نحترفُ مرآةً مكسورةً في رسم الواقع، أذا جاز التعبير !
أيتها القصيدة ُ
لا تنامي بين يدي
أخاف على نفسي هبوب الريح
كوني معي كوني معي
نطمئن إذا كانت القصيدةُ ملتحمةً معك وبين يديك أخي وصديقي فرحات ولا نخاف من هبوب الأعاصير والرياح
نباركُ لك هذه المجموعة القيمة ونتمنى أن نقرأك في مجموعات أخرى جميلة !

سفر على سفر - سلمان ناطور




دعوه
               
      سفر على سفر وأمسية الأمسيات
                                                                 زياد شاهين


         (عن الأمسية الثقافية التي أقيمت في المركز الجماهيري في دالية الكرمل - 30/6/2008 - احتفاء بصدور كتاب سفر على سفر للكاتب سلمان ناطور )                                     

أمسية الأمسيات، أمسية مُميزة ومغايرة، أمسية ٌ تألقت النجوم في سمائها، واصطفتْ واستدارتْ حول قـمر / كتاب: سفر على سفر ،للأديب والروائي سلمان ناطور ، وكانت عنوانـا مشـرقـا ونموذجـا يـُحتذى بـه ، أجتمع جمهور رائع  وغفير احتفاء بصدور كتاب ، وليس لتكريم شخص الكاتب على سبيل المثال ، وليس لخطابات أبدية تـُـصّوب دائمـا على ثقافتنا وتاريخنا وأفكارنا .
الكــل مهيأ  ٌ ، الجمهور الرائع ، والقاعـة الفسيحة التي أ ُطفئتْ أنوارها ، لتضيئها أمل مرقس بصوتها المتفرد ، أمل مرقس صاحبة الأغنية المثــَّـقفة والمـُثـقفة والتي تحملنا أبدا ً بغنائها العذب وتسافر بعيدا ً في فضاءات لا نهائية ومن ثم تـُلقينا لنتأرجح على أفنان الروح والوجدان ولنـُردد معها أروع الأغاني التي تفيض برائحة الأزهار والزعتر والوطن .
أنا جـزء من هذه الأمسية ، سـأكون مضطربا بعض الشيء أو ربما لن أكون ، سـأقرأ ُ قصيدة " والطلقة في الظهر يافا / لا يافا " ، ولهذه القصيدة حكاية ٌ وسّـرٌ يكمن في اختياري لها ، فقد نـُـشرت في أواسـط الثمانينات في مجلـة الجديد ، عندما كان الروائي سلمان ناطور يـُشرف على تحريرها ، وثم سافرت هذه القصيدة لتستـقر على صفحات مجلة فلسطين الثورة ، وثم عادت هذه القصيدة والمجلة كهدية ثمينة يقدمها لي الصديق سلمان مشيرا إلى دور الجديد في نشر ثقافتنا وإبداعنا خارج الوطن ... وهكذا، حتى النصوص على أهوائها، يحـق ويـروق لها أن تحـزم مدادهـا وأحرفهـا وتسافر ؟!
هل يـَحّـقُ لهذه النصوص أن تسافر ؟
سـؤال يتفرع منه ألف سؤال، وسؤال الأسئلة: ما الذي يحمله الكاتب في سـفره ؟
البروفيسور ساسون سوميخ ، عميد الأدب العربي في جامعة تل أبيب ، محمولا على تصفيق الجمهور ، يصعد إلى المنصـة ، يقول مختتمـا مداخلته القيمة أن التركيز على الذاكرة الفلسطينية لا يشكل تهديدا على الكيان اليهودي ، بل هو مهـم في توضيح صورة المعاناة الفلسطينية ليفهمها الجانب الآخر ولكي يؤدي ذلك إلى تقليص الفوارق الإنسانية .
  آه . لقد نسيتُ ، أن اذكر السيدة رناد قبج ، عن مؤسسة تامر التي أصدرتْ الكتاب ، لقد تعذر وصولها لأسباب ( قاهرة؟!) ، ربما لم تستطع أن تقطع الحدود !
-        ما الفرق بين المكان والحدود ؟
-        المكان : هو الحدود اللامتناهية لجلبة الحياة وسكونها !
-        والحدود؟
-        - الحدود هي الحواجـز الوهمية، هي الصدى الفضي الذي لا يستطيع أن يحاصر هذه الجلبة وهذا السكون !
مقطع من حوارية عن الوطن والمنفى، والحدود والمكان، كتبتـه متأثرا بعد أن قرأتُ الكتاب، ويأتي الدكتور أمل جمال ، ليجمـل الأمسية ، بفكره الإنساني وبأسلوبه الواعي فيطرح مسائل وجودية وجوهرية حول الإنسان والمكان ، وهل المكان هو الذي يقرر الحدود أم العكس ؟! 
 الجمهور الرائع ما زال جالسـا، مستمتعا بكل حرف وكلمة، وقد ضحكتُ في سـري، لأن نظراتي قد اصطادت أبني راوي ، طالب في المدرسة الابتدائية بين الجمهور ، لم يتحرك ولم ينبس ببنت شـفة ،على عكس عادته ، وتذكرت ما قال لي قبل أسبوعين ( تغيبتْ مربية الصف في مدرسته ، وجاءت معلمة بديلة لها ، وعندما دخلتْ الصف ، بدأ الطلاب بتعذيبها ، فما كان منها إلا أن صرخت بأعلى صوتها :
-        يا أولاد .. أنا في مدرسة المدير صالح إذا برمـي الإبرة بــترن  .. مفهوم !
ففاجئها راوي بالسؤال : معلمتي  وإذا ما كان معك إبـرة !
فضحكتْ وضحك الجميع !)
أمل مرقس لا تملك إبرة ، بل تملك صوتـا تلقيـه في القاعة فيرن صداه الفضي كاشفـا نضارة الإزهار والوطن ،أمل مرقس تعود إلى الغناء قبل أن نتابع السفر في هذه الأمسية .
ونصل المحطة الأخيرة وأقرأ مقطعا من مجموعتي الشعرية" سافر قمر الدار " :
أهرب من زنبق الدار
من شجر التوت
من جرن الأزهار
أهرب من عربدة الدمع الأحمر
وتنويحة الفم المكسور
على جسر الآهات الأصفر
أهرب .. أحمل في قلبي بيادر
يبكي مداه الأشقر
على كنار مسافر
ربما يكون مصادفة هذا التداعي، وربما يكون المكان بكل تفاصيله هاجسا في ترتيب وتكوين هذا التوارد الإنساني.
وربما ..  وربما

لـي سـفري ، ولـه ســفرُهُ ولــكَ ســفرُكَ !
لي قمـري المسافرُ، وكذلك لــه ولـك قمرُك المسافرْ
ســفر ٌ على ســفرْ
والمسافــات ُ أقــلُ من خطـوة ما بين ســفر وســفر ْ
والبلادُ بلا بــلاد .
ســفر على ســفرْ
والنشيدُ صدفــاتٌ مبعثرات ٌ
ومسـاءاتُ الحنين بلا قــمرْ
سـفر على سـفرْ
نضب الرحيقُ من الحروف ، فهل تؤوبُ فراشـة ُ الحلـْم الأخير من السفر ؟!
وهل سيكتشفُ الغمامُ، أن بياضَ كآبتـه تمحوهُ حباتُ المطر ْ
سفر على سفرْ
ويأتي دور الأديب والروائي سلمان ناطور في قراءات عن الغربة الوطن والبيت والكر مل تصاحبه غناء الفنانة أمل مرقس .
لقد أبدع سلمان ناطور في كل نص قرأه ، وتألق وأيقظ الصمت الذي حلم في القاعة ، بإيقاع صوته الصادق .
الكتاب وسلمان يستحقان أكثر من هذه الأمسية فكلاهما فرعان شـامخان لشجرة رسـّختْ جذورَهـا في عمـق ثقافتنا وفكرنا ، وسـتظل ثمارُها اليانعـة َ زادا فكريـا ً وروحانيا ً تحملـه الأجيال في تحقيق ذاتها ، وستظلُ أوراقها تــُفـيءُ علينا وتحمينـا من لظـى الذين يحاولون اغتيالَ تاريخـنا وثقافتـنــا وانتمائنا.  
لقد أمر ملك الوقت أن نستريح من هذا السفر الجميل.
شكراً للأخ راسم ناطور مدير المركز الجماهيري الذي استطاع بجهوده المباركة والجبارة أن يحرك المياه الراكدة في حياتنا الثقافية في ربوع كرملنا الشامخ.
الجمهور الرائع يترك القاعة .
البروفيسور ساسون سوميخ تنتظره سيارة في الخارج ليسافر عائدا إلى تل أبيب .
الدكتور أمل جمال لا يملك الوقت كي يرتشف القهوة، مصمم على السفر.
سلمان ناطور ، يتصافح ويتبادل ورد الكلام مع الجمهور ، أين أمل مرقس ؟
وأنا خارج من المركز الجماهيري عبرتُ بسيارتي سيارة أخرى توقفتْ في الظلام ، فساورني شـك ، فعـدتُ وإذ بالفنانة أمل مرقس جالسة داخل السيارة ، ماذا حدث ؟ سألتـُها ، فأجابتْ :
-        لا أعرف الطريق إلى حيفا، أنتظر مرزوق حتى يدلني على الطريق !

 وافترقنا إلى لقاء .

البروفيسور ساسون سوميخ والشاعر زياد شاهين

زياد شاهين


مؤتمر أدب الأطفال الفلسطيني - فاضل جمال علي


نص الكلمة التي القيتها في المؤتمر الثاني لأدب الاطفال لفلسطيني الداخل 1-6-07
أنا .. أنا إنسانْ ( إشكالية ومسار ) الشاعر:زياد شاهين
أ ُحــِبُّ أن أعيشَ في أمان
أحبُّ حـُلـوياتي
ولـُـعبـي .. أحبــُّهـا
تمنحنــي ســروري
إذا غـَلِـطـْـتُ مــرة ً
لا تجرحوا شـعوري
لا تصرخوا .. لا تضربوا
تكلموا بلــطـفْ
يـزولُ عـني الخوفْ
بعضُ الامور صـَعـْبـة ٌ بطيئـة ٌ لــديْ
احـترموا صعوبتي .. وحـافظوا عليْ
من مجوعة " إنسان " للشاعر فاضل جمال علي
إشـكالية ٌ كبرى أن تكون طفـلا ، تـُولـدُ وتـترعرع ُ في جنــة هذا العصر ، تـَنـْعـمُ بما لـذ َّ وطاب من ثمـار الحضارات ، فتصبحُ عـُرْضــة ً لبيئة ٍ متناقضة ٍ مسالمـةٍ ومعاديـة ٍ في آن واحد ، ومـُـفـْـعَـمـةٍ بالإغراءات الكثيرة ، التي تسـتهوي عقـلـَـك ، حتى غسـل ِ الدماغ ، كالحاسوب والهواتف ِ النقالـة ِ والالعاب الالكترونية المعقدةِ التي غالـِبـا ً ما يـُـساءُ توظيفـُها
واستعمالـُـها ، فتذوبُ فائدتـُها ، وتضيعُ مع انعدام الارشاد والمرافقـةِ التربويـةِ السليمة .إشكالية ٌ كبرى أن تكون طفلا ، يـُحاولُ أن يـُحـّـلِـقَ في فضاءات الحياة ، مختبـرا ً وسـابرا ً
أغوارهـَـا بتجاربـه الذاتية المحدودة ، فتتعــّـثرُ خطواتـُـه أحيانا ، ويـُـخـْـفِقُ في امتحان التجربة الحياتية أحيانا أخرى ، فهو ضحيـة ٌ ، إن لم يجـدْ البوصَـلة َ الوالديـة َ والمؤسـسـاتية َ التي توجـه ُ قاربـَـه ُ الى شواطئ الأمان .وكأنَّ كـلَّ هذه الرفاهية ِ العصرية ِ التي يتمتعُ بها الطفل ُ ، والتي تنعكسُ على ثقافته ، سلبا ً وإيجابا ً لا تكفي ، فهو ايضـا ً هـدف ٌ جلــي ٌ وممتاز ٌ لكل الكتاب والشعراء . الغالبيةُ منهم ، أراد ويريدُ أن يصـوبَ عليه إبداعاتِـه ونصوصــَه ، دون التمييز بين الكيف والكـم ، وربما لأهداف لا علاقـة لها بعملية التربية والارشاد .. وألا ، كيف نستطيع أن نفـسّــرَ ظاهرة َ وابل ِ الاصداراتِ من كــتب للأطفال ؟؟
في ظل هذا الجو المثقل بالتعقيدات العصرية ، يواصلُ بعضُ الكتابِ والشعراءِ ابداعاتـِهـم
بنصوص ٍ تحفظ ُ ماء َ وجـه الادب ، وتعكسُ ثقافـة ً سـليمة ً تخـدمُ وتحترم ُ مصلحـة َ الطفل ،
ومنهم شاعرُنا المبدع ُ فاضل جمال علي ، الذي ما زال يبحـرُ في عالم الطفولة ِ ، متساميـا ً الى قمـة الابداع ، ومؤطـرا ً لهذا العالم بقصائد َ مـُشـْرقــَةٍ ومتألقة .مجموعتـُه الشعرية ُ الاخيرة " إنسان " ، هي قراءة ٌ هادئـة ٌ ومثقــفـة ٌ لسلوكيات ونفسـية الطفل ، كما هي رسـائلُ للكبار يبعث بها الشاعر ُ باسم الطفل ، ليذكـّــر َ الكبارَ أن يتعاملوا معه كإنسان له شخصية ٌ متفردة ٌ وشـعورٌ متميزٌ وعالـمٌ قائـمٌ بذاتـه . وهي في نفس الوقت ، معايشـة ٌ للطفـل في تجاربه الحياتية التلقائية المختلفة ، وترجمة ٌ وخطاب ٌ للعالم بصوتـه الحسي الذي يبحث ُ دائما عن صيغـة مثاليـة للتعايش مع عالم الكبار ، الذي لا يبدي دائما قـَـدْرا من التفهم العميق لصعوبات ومشاكل الطفل مرتكـزا على القول الشريف :يــسر ولا تعســر !لم يخترْ الشاعرُ عنوان َ " انسان " مَحْـض َ صـُدْفـةٍ ، فهذه اللوحــة ُ الشعريـة ُ ، تلخصُ رؤيـة َ الشاعر ، وتمعنــَه في عالم الطفولة ، فالطفل ُ البطل ُ عند فاضل هو انسان، يـُحـب أن يعيشَ في أمان ، والسؤال : هل هناك أطفال ليسوا بأمان ؟ والاجابة ُ ســَهـْـلة ٌ جدا ، علما أننا نشهد ُ ما يحدث ُ للأطفال في هذا العالم ، فالطفل ُ قـلق ٌ على مصيره ، وهو يحب أشياءَه التي تمنحـُه السرور ، فلا تجرحوا شعورَه حتى أذا أخطأ ، وتكلموا اليه بلطف وليونة ، حتى يزولَ
عنه الخوف ، واحترموه لأنـه ما زال يتحسـسُ طريقــَه في هذه الحياة .والطفل ُ البطل ُ عند فاضل يعتـّزُ بانتمائه وبجذوره :أقرأ ُ باللغة العربية \ اكتب ُ باللغة العربية \ أحلى كلماتي أكتــُبـُها / شمسٌ أزهارٌ برية /بحرٌ
أقمار حرية /وهذه دعوة شـرعية ٌ للتشبث بأصولنـا ولغتـِنـا العربية ِحاضنة ِ ثقافتِـنـا وهويتـِنـا .وأسماءُ أبطال ِ فاضل أسماءٌ عربية ٌ ، وليست أسمــاءً مستوردة ً ، وهذا تعبير ٌ بالرمز الى الاسماء الدخيلـة التي أخذت تنخـرُ عظامَ حياتـِنـا وثقافتـِنـا :مها تحبُ الصيف / رشا تحب الشتاء / سامي يحب أن يسير حافيا / رامي يحب أن يطير في الفضاء / رازي بحب وردة حمراء / في هذه اللوحة ، إضافـة ً الى التصريح بالأسماء العربية الاصيلة ، يتجلى ويظهر أحدُ المبادئ
الانسانية وهو احترامُ شـعور ِ الغير ، واحترام ُ الاختلاف ، وهذا الشعورُ ينطلق ُ من المحبة
والتفهم والتعقل .ويرسم فاضل لوحة ً شعرية جميلة عن الصداقة عند الاطفال ، فهذه الصداقة ُ الى جانب الذكاء العاطفي عند الطفل ، تمنح الطفل َ قـوة َ الحصول على مطالبـه ، بأسـاليبَ تقتربُ من أساليب الكبار : وكلما فتشت ُ عن إياب / عـَرَفـْـتُ أنـه مع الاصحاب / أسمعُ صوت َ ضـَحـْكـِهم /في ساحة الالعاب / يخططون وحـدَهم / ما يشـترونَ اليومَ / من حـَلوى ومن ثياب / يأتي ألي باسما / كي أدفـعَ الحساب / ودفعُ الحساب عند فاضل ، لا ينتهي ولا يكفي ، ما دام الاطفال يُكنون المحبــة َ لـه ويحفظون قصائدَه عن ظهر قلب ، فأنا شاهد ٌ على كـَثرة الاطفال الذين يحفظون قصائده ، ومن بينهم ابني راوي ، الذي كلما التقى بفاضل يفتحُ معـه سـوق َ عـُكاظ ، فيحاورُه بالشعر ويتحداه بالألغاز ، وقد أهداه فاضل هذه القصيدة :راوي يـُحبُ أن يقلــد الكبار / يـُصغـي الى حديثـهم / يشارك الحوار / راوي ذكيٌ / عقـلـُـهُ لا يستريحُ سـاعة ً / من كـثرِة ِ الافكار / وكلما أتيـتُ كي أزورَهُ / أ ُحْضرُ ألغازي معي / فيتحداني بما يحفظ ُ من أشعار !!/ احترام ُ شعورِ الغيرِ، خـَصـْـلـَـة ٌ يتحلى بها أطفالُ فاضل ، لأنهم يطلبون الاحترامَ الانساني َ المتبادَلَ : في غرفتي وحدي أنا / أو مع الاصحاب/ لا تدخلوها فجأة / من غير طرق الباب /ولم ينس فاضل أن يوجه دعـوة ً للأطفال أن يرفقوا بالحيوان : لقطـة ِ الجيران / خمسة ُ أولاد وبنتٌ واحدة/ وعمرُهـُمْ يومان / اليوم َ لم آكـلْ فطوري كُـلـَّـهُ / أكلت ُ نصفـَه ُ / وقـدّمـْـتُ لهم / قسـما من الحليب والاجبان / .كما أنه لم ينس أن يـُذكـّرَ الكبارَ ، بأن يرتقوا بمعاملتهم للأطفال ، فالطفلُ يـُريدُ أن يـَكـْـبُرَ في مناخ خال من الانتقاد والاستهزاء : أحيانا لا أنتبه لنفسي / أتعثر ُ أكسر ُ كأسي / أمي تصرخُ غاضبة :/ ما هذا الامر؟ / لا تعرفُ أنت الصبر / ولكن حين أبي يكسـرُ كأسـا / فأبي يضحك ويقول : أنكسر الشر !!!!وأخيرا ، تحمل ُ مجموعة ُ أنسان الشعرية الكثيرَ من القيم التربويـة والتعليمية ، وحبذا لو كـُتبتْ هذه المجموعة ُ كمونولوج شعري او كمغناة شعرية ، يقومُ كلُّ طفل بترجمة أحاسيسه
من خلال قراءة أحدى لوحات المجموعة ، وبذلك يمكنـُـهُ من الرقي بخطابه لإيصاله الى جمهور الطفولة ، بالإيحاء الشعري ، فيحققُ بهذا غايتين الاولى تمكينُ الاطفال من تحقيق ذواتهم ، والثانية ُ تنبيهُ الكبار الى ما هو متوقـَعٌ منهـم في تلبية حاجاتهم المعنوية والمادية .مجموعة أنسان ، هي مثال للنص ألـْجيد ، وللشاعر والاديب المثقــَّـف والمـُثـقـِف ، أعطت الطفولـة َ معاني جميلــة ً ، وقيمـا ً تربويـة ً مهمــة ً ، نحن بأمس الحاجة اليها .