إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الأربعاء، 1 يونيو 2011

الشعر هو الكتابة الملونة - فاضل جمال علي

الشعر هو الكتابة الملونة
أغني وصوتي غزال للشاعر زياد شاهين
                                                          بقلم : فاضل جمال علي
الشعرُ هو الكتابة الملونة ، وهو الكتابة المدوزنة على إيقاعات النفس البشرية ، هو الكتابة بين السطور وخلف السطور، وهو الإيحاء الذي يؤكد أن المعنى في قلب الشاعر ، تاركـاً للقارئ مساحات شاسعة لتداعيات أفكاره وهواجسه حين يتعامل مع النص . وهذا يُحوّل النص إلى مشهد من المناخ الطبيعي ، نسبر أغواره تارة ، وتتبدل كل يوم معالمُ هذا المشهد المناخي مرة بعد الأخرى .
النص الشعري هو النص المتحرك وليس الثابت ، هو النص الذي لا يموت بعد قراءته الأولى والثانية والثالثة ، وهو النص المفعم بقيم الجمال والموسيقى ، وبالقيم الفنية التي تمسحه بالسحر والجمال ، والإيحاء في الكتابة الشعرية هو الذي يفتح أبواباً لأبعاد أُخرى ، حين يعتمد الشاعر لغة مجازية شعرية ، أذ يرتدي النص عند ذلك زيـّـاً فنيـاً احتفالياً يميزه عن سائر النصوص الأدبية .
هذا ما راودني في معاينتي لديوان الشاعر زياد شاهين ، وبعد قراءة تفاعلية ، لأُركز في هذه الكتابة على الجانب الفني الشعري في كتابته ، والتي يتميز بها الشاعر بحرصه على تحمل مشقات الكتابة ، وفي إخراج القصيدة إلى حيز الحياة.
هذه الدلالات تلوح جليـاً في عنوان الديوان " أغني وصوتي غزال " ، وهي صورة غنية ورائعة ، فالصوت هو ضمير الشاعر ، والغزال هو قلب الشاعر ، الذي يتحول في إطارات طبيعة هذا الضمير ، متفاخراً بجمالـه الغزالـيّ ، وحذراً كالظبي المعرض لـشـُرُك الغابة – الحياة ، ثـمّ يأتي الإيحاء الفلسفي في الإهداء :
" يا رعاة الصبر قـٍفــوا
 فمراعي الصبر تنسانـي "
وهو بذلك يطرح فلسفة وجودية عميقة حول الموجود والمنشود ، ومن هذا التوجه الفلسفي يحيا الشاعر حياته في خندق الجرح ، ويكتب شعره المتناغم مع نفسـه الحيوية لكي يتمكن من التسلق على سلم الكلمات .
وفي القصيدة الأولى " عزف قاس على أوتار ناعمة "  ، نلمس أوتار الشاعر الرقيقة ، ونتضامن مع احتجاجه حين يُرغم على العزف القاسي ، والذي يتنافى مع ماهية الشاعر الأولية ! ، وفي جملة " أُكبرُ الصمت الذي فيه التقينا واضطرمنا " ، يخلع الشاعر أمامنا قبعة الإخفاء ، لنضع بأنفسنا تفاصيل اللوحة المثيرة ، وحين يقول: " وصبايا العشق كانتْ / تحمل الصبر نعوشاً وجنازهْ " " وانشدي حتى يعود الصبرُ في الحانات يسكرْ " ، فالصبر هنا هو وجه المعاناة اليومية المزمنة ، معاناة شاعر انتدب شعره صوتاً تبشيرياً ، وذلك نتيجة حتمية من قوله:
" علقي في أول الأوتار قلبي ، دوزني وقع الجراح "
" علقي موتي وفرحي ووطني وانشدي "
" واعزفي هذا الألــمْ " .
وحين " يستأصلون قمر الكرمل " ، بدون الحصول على توقيع وإذن الشاعر ، يكتب برفض شاعري " حـُمّـلـتُ هذا الليل " ، ويمضي حاملاً بين أهدابه " حسونـاً ولوزاً من فلسطين معي " ، في مرثية لجبل الكرمل المتصدع القسمات " مذ عادتْ بلا قمر عيون العاشق المقتول " ، وهنا نشهد عودة النص كدلالة عينية لصرخة حيفا الكرملية .
" ست رصاصات لن تقتل ولن تجرح" يستهلها الشاعر بمقدمة جميلة :
دمي غمدٌ ، وشوقي السيفُ والسيّافُ
يا مطر الجليل تغلُّ في نبضي
تسّولني الجفاف"                                                                                 
هذه المقدمة ، تعكس اختلاجات الشاعر في يوم الأرض ، وحالة استقبالية لما كان وما سيكون ، والقوة الهائلة تنعكس من جملة " تسّولني الجفاف " ، حيث يعلن الشاعر استعلائه وشموخه حيال الجفاف المستضعف من قبل هذا الشاعر تحت وابل الرصاصات .
وإذا كانت حياة الشاعر تتمحور حول جرحه الذاتي المتفرع من جرح شـعبه ، فإن هذه القصيدة تعرض مساراً جميلاً للخروج في نهاية سعيدة بعد خوف البداية :" خوفي إذا سقطتْ فروع الشمس / خلف خمائل الأيام واشتد المطرْ" ، حتى العودة في الرصاصة السادسة : " يعودُ بعرق زيتون ٍ بمنديلٍ وسـكينِ / يُعـّـصبُ جبهة الجرح / بأوراقٍ من التين " ، وهذه القصائد مشبعة ( لا حتى الإثقال ) بالصور التي تمنحها الطاقات الوجدانية ، والاستعارات التي تقولب المعاني في لوحات مفتوحة البراويز: " أرتلها نداءات العصافير المكسرة الجناح صلاةْ " ( مطلع القصيدة ) " أرتلها نداءات العصافير المصفقة الجناح صلاةْ " ( اختتام القصيدة )  ، وفي الرصاصة السادسة :" وفصّـل دمع عينيه مناديلاً / وأعطاها لأمـه كي تكفكفَ دمع عينيها / وتضمدَ جرح أمتـه " ، وهذه شواهد على ارتقاء لغة الشاعر إلى المجازي الممتنع الذي يأبى الوقوع في شـرك التغريب المدقع ، ليبقى النص ذا رمزية وانصياع في نفس الوقت وليس مبتذلاً ومستهلكـاً .
" عقارب الساعة تشير إلى الموت " هي لوحة أخرى تبعث القشعريرة في النفس ، أختارها الشاعر لبداية قصيدة شرايين بيروت ، وهي تشير إلى معاينة من نوع جديد لعامل الزمن ، أو بالأحرى انعدام هذا العامل من تعدادنا ، فحين يموت الأطفال في بيروت يبرز جليـاً عدمية قيمة تأريخ الأحداث الأخرى، وهذا عمق تعبيري بعيد الأعماق ، ثم يتلوها بصور شعرية متعمدة : " انقطاع . نأسف لهذا الخلل المقصود " و" موسيقى فلسطينية لربع قرن أو أكثر " و " العالم مرثاة كبرى / أوراق أحرفها الدهر " و " العالم أقواس النصر " ، وهنا انعكاس لحقيقة الشاعر الإنسانية المصيرية في كونتراست  وتقاطب عكسي مع زيف العصر .
"على شرفات الوطن " يتغنى الشاعر وصوته غزال تحبه كل الصبايا ويحبه شعبُهُ فتصيرُ الأماني جواداً ، هذه القصيدة التي يُمجّـدُ ويجسدُ الشاعر فيها طفولة بؤسـه وحجارة قدسه – قـُـدْسـِنا ، هي راية العاشق الذي يصول ويجول في تعددية الشرفات ووحدوية الوطن ، وتأتي قصيدة " غريب " بعد هذه القصيدة كجواب ٍ ينفي الغربة المنسوبة إلى الشاعر الملدوغ بأفاعي صمـت الرجال .
والقصيدة ألأخيرة التي أردتُ التطرق إليها هي " حلم قديم ممتد " وهي قصيدة بعيدة المعاني تشير إلى الحياة بأكملها ، نحلم ونصحو من الحلم ، نسير إلى الأمام وإلى الوراء في رحلة متواصلة للتحقيق الذاتي الوجداني من قمة إلى قمة ، ومن نشوة إلى أخرى في مسيرة الصعود والهبوط ومفارقات اللقاء والوداع ، مُضمخـَـين بشذى تجارب الحلم الحياة :
" وجهي / وجهك/ بائعُ وردْ / حلمٌ قديم ٌ ممتدْ / أورق وجهي وجهَكِ/ أزهر وجهُك وجهي أجمل وردْ " ، وهنا تتجلى مدى مشاركة الشاعر العاشق في تجربة العشق – الحياتية الملتزمة والسير في السراء والضراء سعيداً وقانعاً بما يعطيه وما يأخذه منصفـاً ومناصفاً بعيداً عن الملكية والتسلط .
أغني وصوتي غزالْ هو ديوان شعر يدعو القارئ الراقي إلى النزالْ .
ومن المؤكد سيخرج القارئ غنيـاً وسعيداً بعد أن جاب عالماً مرصعاً باللغة التصويرية التي تسلمه مفاتيح مكنوناتها على أروقة فكر وفلسفة الشاعر الذي بدوره يفتح أبواب النص الإبداعي على مصراعيه .


** أغني وصوتي غزال  مجموعة شعرية جديدة للشاعر زياد شاهين ، صدرتْ عن مطبعة الكلمة في دالية الكرمل

ليست هناك تعليقات: