إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الاثنين، 13 يونيو 2011

أغني وصوتي غزال - د. بطرس دلـة

أغني وصوتي غزال
                             
                                                                                   د. بطرس دلـة
                                                     كفر ياسيف

أهدانا الصديق الشاعر زياد شاهين ديوانه الذي يحمل عنوان " أغني وصوتي غزال " مشكوراً ، وكان هذا الديوان قد صدر عن مطبعة الكلمة في دالية الكرمل الطبعة الثانية عام 2010 بعد أن نفذت الطبعة الأولى .  يبدأ شاعرنا ديوانه بقصيدة وجدانية فيها الكثير من حديث الذات الحزينة بسبب الجراح والاوتار التي تنزف دمـاً ، فأوتار قلب الشاعر هي أوتار قلبه الجريح ، أوتار شعبه الجريح ، أوتار وطنه الجريح ، لذلك وبسبب هذه الجروح فإنه يعشق هذا النغم الحزين الصادر عن أوتار القلوب الجريحة والحزينة ، إنه يعشق صوت العزف الذي يُصـدّرُ الآهات لأن قلبه يتمزق كما يقول ص-8:
                            "  كلها الأوتارُ فيه
                              تـ  تـ  مـ  ز  ق
                              وعلى جرحي تمـدُّ الظـلَّ
                             قاسٍ ظلـُّها الأوتار
                            قاسٍ    فــوق
                                   جـرحي ! "
فعلى كل وتر يريد شاعرنا أن يُـعلّـقَ إما جرحـَهُ أو قلبه أو دموعه ولذلك ستصدر أصوات حزينة عن هذه الأوتار وليس شـيءٌ آخر لأنه يعشق النغم الحزين بسبب الجراح الذي يُعاني منها حتى فقدان الصبر ، صبره على الشدائد والمصائب ، ولذلك فأنه يُـصدّرُ لديوانه هذا بالكلمات التالية :
                              " يا رعاة الصبر قـِفُـوا
                                فمراعي الصبر
                             تنســاني "
إذن أنه يعاني من الجراح ، يتمزق في داخله وتنساه مراعي الصبر : فإلى متى هذه المعاناة !؟
إن عنوان الديوان غريب إلى حـدّ كبير ! فما علاقة الصوت بالغزال ؟ هذا ما لم أفهمه في هذا المجال ، لأنه لا صوت للغزال بشكل خاص فكيف يكون صوت الشاعر غزالاً ؟ حبّذا لو كان شرح لنا لماذا اختار هذا الاستهلال في ملاحظة هامشية ، الا أنه ترك ذلك ودخل في مادة الديوان حتى دون مقدمات لا منه ولا من غيره .
في قصيدته " يا كرمل يستأصلون قمرك " ( ص11-15) يعود الشاعر من جديد إلى حزنه ولكن هذه المرة على مدينته حيفا وإلى جبل الكرمل حيث ضاعت منه فلسطين وضاع منه الكرمل ايضاً وبات لديه جرح يحمل قمح الحنين. فالقاتل العادي لا يحمل لنا سوى الخيام والأطفال المشردين والجراح ! هذا القاتل هو الممثل والذي لا يستـرُ عُـرْيـَهُ سوى جثامين الأطفال الذين قتلهم ويسترعيه جرح من يعرفه منذ أن كان هو كيهودي مشرداً في الغربة !!!
في قصيدته التالية يتابع حزنه على يافا " والطلقة في الظهر " ( ص17-19) يرى أن الأنسان الطبيعي الفلسطيني خاصة في يافا ليس له معين لأن الطلقة تأتيه من كل جهات الأرض . فقد تأتيه من الغرب المستعمر أو من الشرق الشيوعي فالطلقة تردي قلبه فيأتيه الموت لذلك نراه ينادي على يافا فلا يجدُها لأنها ممثلَّـةٌ أو مُـغْـتَصَبة ! وهو حتى ولو كان يعيش في الوطن الا أنه يشد بطنه بالجوع فيفقـدُ فـِرْدَوْسـَهُ في عرس القصف العادي ، وتأتيه الطلقة الأولى في أوراق الليمون وخبز الأطفال ( ص-19) .
الدعوة الوطنية بعنفوان الشباب :
في قصيدته ست رصاصات لن تقتل ولن تجرح يضع الشاعر نفسه ذا طاقة تفوق طاقة  الكثيرين من أبناء جيله ، ففيها صحوة وطنية وفيها عنفوان الشباب : الشباب المناضلين الذين يحبون الحياة ، ويتمسكون بالأرض ، فالجليل الغاضب يريد الثأر والشباب المتظاهرون لا يمكن أن يصلوا إلى دمشق العاصمة وإلى تحقيق كل الأمنيات لأن صوت الجليل " جبارٌ " ومُـدوٍّ في كل الأرجاء ، فنحن الفلسطينيين هنا نعيش وهنا سنبقى قبلوا ذلك أم رفضوا ، فهنا تنشد الحساسين أناشيدها للصبح الندي ! وسواعد شعبنا الجبار ستنتزع رصاص المحتل حتى ولو ظل المحتل الغاضب يظل الجليل خالداً في القلب ويبقى وجهُـهُ وغناؤُهُ كوجه الحساسين وتباشير الصباح !!! ينتقل بعد هذا ليعـدّدَ ماذا سيكون مصير الرصاصات التي يطلقها المحتلُّ الغادر؟ فالشهيد سينهض من قبره لينتزع الرصاصة الأولى من جبينه ويردَّها إلى حيث أتت ! عندها سيفرح الأطفال ويبتهجون وتنمو الزهور وتتردد أصواتُ الطفال بنشيد السواعد المفتولة وتتحول الجراح النازفة إلى بنادق في أيدي الوطنيين المنتصرين في عرس النصر !
ولما كانت معظم الحركات الثورية والوطنية والمظاهرات الشعبية واضرابات ومسيرات يوم الأرض ويوم العودة كل ذلك خرج من الجليل ، إذن فللجليل مكانة خاصة في قلب الشاعر الملتهب بالوطنية الحقة ، لذلك نجده يردد النداء نداءَهُ للجليل بقوله ( ص-39 ) :
 "أقيموا الرقص في عرس الدماء
سيتلو الجرح أغنية البقاء
سيتلو الشعب أغنية الجليل
جليل يا جليل / سئمنا النوم والحلم القتيل
كرهنا الصمت والصبر الجميل
ستزهر كل غيطان الغضب
وتمحو الحزن والذل الثقيل
تبارك صوتك الجبار ثار
وعرس الحق آت لا محال
وصوت الأرض باق يا جليل "
إذن شاعرنا ينتفض شباباً ثائراً مؤمنـاً بعدالة قضيته داعياً إلى الثورة وإلى النضال العادل من أجل تحقيق الحق والمساواة لكافة المواطنين !!!
ينتقل صاحبنا في صفحة (40) إلى قصيدة " شرايين بيروت نزيف على وجه الأضحى " فيعبر فيها بشكل جلي عن نغمة شديدة تعتمل في نفسه فتقضُّ عليه مضجَعَـهُ ليرى العالم بمنظار أسود لأن هذا العالم يكيل بمكيالين ، والمزامير السكرى هي نشوة النصر !! فهل هو نصر العرب كما يريد الشاعر أم نصر العدو لأن الأنسان العربي مصابٌ بداء الهزائم فما أن يدخل معركة حتى يخسرَها وهكذا ! وبالمقابل فإن العالم هو أقواس نصر ! وطالما يرى العالم أقواس نصر إذن لماذا لا يُري العالم العربي كذلك ؟! فكيف يكزن ذلك والأمهات في الضفة وقطاع غزة يعرفون كيف يفرحون وكيف يغنون في اعراس الشهداء فتنطلق الزغاريد ويستشهد الشباب الغضُّ ولكن بدون طائل ، ويشارك هو بنفسه في معركة القدس ويستشهد لأن موته سيصبح حجارة على قبره . فهل يستفيد الوطن من هذا الاستشهاد؟ أم أن دماء الشهداء ستذهب هدراً وبدون طائل ؟!
انه صوت صارخ ضد مثل هذا الاستشهاد ولكن ليس هناك من يسمع وليس هناك من ينفّذُ حتى أن الشاعر يواكبـُه  شعورٌ بالغربة والضياع. وهذا الشعور يلازم كل أنسان فلسطيني من فلسطيني الداخل . أنه شعور بالنقمة والمرارة . شعور في نهاية المطاف لا ينتهي كما يريد الشاعر بسبب الاضطهاد وسياسة مصادرة الأراضي ، كما ان الغربة داخل الوطن أشد إيلامـاً للمرء من الغربة خارج الوطن .
ولما بات الشاعر يشعر بالغربة والضياع ، لذلك فإنه يعود إلى التاريخ القريب فيرى في جمال عبد الناصر القائد المخلص للقضية ويرى في نهجه نقاءً ثورياً لأنه لم يساوم على القضية ولا على استقلال وحرية مصر ! لذلك يدعوه إلى العودة فقد كان المارد العملاق المتحدي إزاء الملوك الصغار الصغار ! فعبد الناصر هو المارد الجبار والجبل العالي أما ملوك اليوم فهم صغارٌ حجمـاً ودوراً ، وبما أن عبد الناصر قد مات إذن فالدنيا من بعده ، دنيا العرب ستعيشُ في ليلٍ طويلٍ طويل !
الدعوة إلى الثورة : لما وصل شاعرنا إلى درجة شديدو اليأس لذلك فأنه يحاول التخلص من هذا اليأس وهذا الإحباط بالدعوة الصريحة والجريئة إلى الثورة ، الثورة على الظلم والطغيان ! والزهور لا تفي بالغرض كمت أن المفاوضات أثبتت فشلها إذن ليس أمام الأنسان الفلسطيني سوى اللجوء إلى الثورة وإلى الاحتكام إلى السلاح بقوله : ( ص-59) :
" طريق يمتدُّ إلى قلبي حبيبتي
غاضبـاً
يعلـّـقُ خنجـراً على صدر كـلِّ زهرة
حفظتها لك
وألمحه حبيبتي
في وهج عينيك ألْمـحـْـهُ ينتهي
حماسَ بندقية وثورة "
وإذا كان قد توجـه إلى جمال عبد الناصر القائد الرمز فإنه يعود ويتوجّـه إلى القائد البطل عز الدين القسام بطل ثورة 1936 ويدعوه للعودة والنضال من جديد وعدم البكاء على ضياع الوطن والجولان ، وينتهي شاعرنا إلى الشعور بالإحباط واليأس لتنتهي مسيرته في هذا الديوان بالحلم إلى الوراء ، وكل خطوة ستكون إلى الوراء .. إلا أنه يعود كعنقاء الرماد مـدّعيـاً ان حبة القمح الخارجة من السنبلة الذهبية أقوى من كل سارقي لقمة الجياع ! وحبة القمح هنا هي رمزٌ لفلسطين الصغيرة بين الدول العربية إلا أنها ستظلُّ أقوى أقوى أقوى من كل الرياح التي تحاول احتلال البلاد ! وفي قمة يأسـه يحاول في آخر قصيدة أن يحاسب الله على عاهات البشر في قصيدة وجودية بعنوان " لوحة رمل " !  فهل حقاً يكون الله مسؤولاً عن عاهات البشر؟! انه يشبه فكره هنا بأفكار الوجوديين أمثال هايديغر وكيرك هارد وجان بول سارتر، إلا أن هذا التشـبُّـه غير منطقي ، لأن من يُصاب بالتخمة يكون مسؤولاً عن إصابته بسبب إهماله لصحته ومن يلعب بالنار يحترق لذلك فإن اتّهام الـعِـزّةِ الإلهية عن أي فشل أو هزيمة فيه شـيء من الكفر والالحاد الوجودي .
لغة الشاعر:  بعد مراجعة هذا الديوان أكثر من مرة وجدتُ لدى شاعرنا الاستاذ زياد شاهين لغة عربية متينة وانطلاقـاً قويـاً في عالم الشعر الحر لأنه يخرج عن القصيدة الكلاسيكية إلى قصيدة التفعيلة كما فعل من قبله العديد من الشعراء .
انه يلجأ في عدة مواقع إلى الاستعارات التي تكسب النص جمالاً خاصـاً . مثال ذلك قولـه في ( ص-49) :
" أهزُّ الجراحَ بصهلة رمحي " !
فكيف تكون صهلة رمح الشاعر ؟!
أو في نفس الصفحة يقول : " فموتي حجارة " فلماذا يكون الموت حجارة ؟ يمجـّدُ الشاعر هنا حجارة القدس فيصهلُ رمحـُهُ وتتحوّلُ الأماني إلى الفشل وتصبح حجارة القدس شواهد فوق قبره في شرفات الوطن . وفي ( ص-33) يقول:
" أوسـِّـدُ حدقتي بـذرا
وأذرفُ من دمي مطـرا
لتـزهـرَ
نصبـةُ النارِ بأوردتي "
وهذه استعارة جميلة لأنه استعار كلمة نصبة ومعناها شتلة أو شجرة صغيرة إلى النار والنار كما نعرف تحرق الاشجار !
أخيراً أعتقد أن أجمل ما في هذا الديوان هو قصيدة " نشيد الجليل " ( ص-39) التي اقتبسنا منها بعض السطور .
فتحية خالصة لك أيها الشاعر الصديق ، وأرجو أن نلتقي بك في أبداع آخر فحتى ذلك الحين : لك الحياة !
1-أيار من عام 2011                            د. بطرس دلـة
                                                    كفر ياسيف

ليست هناك تعليقات: